المنجي بوسنينة

110

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

إنّ أهم ما يؤشر إيجابيا للكاتب حمد صالح هو تميّز قصصه بيئويا ، إذ إنها تنطلق من عالم واحد ، هو عالم قرية معيّنة في شمال العراق ، هي قرية « إجميلة » في الشرقاط ، قرية لها مناخها وأناسها وعاداتها وأعرافها وأساطيرها ، ولها موقعها الجغرافي الخاص المطل على النهر من جهة ، والمنفتح على الصحراء من جهة أخرى ، وتكاد أن تكون هذه القرية مسرحا لأحداث كل القصص ، في مجموعته الأولى « الملاذات » ما عدا قصة « الجامع » التي تدور أحداثها في بقعة من فلسطين . ولا يشارك حمد صالح في المناخ البيئوي الموحّد إلّا قصاصون قلائل . تضم مجموعة « الملاذات » لحمد صالح ثماني قصص ، سبع منها تدور في قرية محددة تقع في منطقة شبه مقطوعة ، لا يرى قاطنها حواليها إلّا الآثار وامتداد جبال حمرين ، والرؤوس عامرة بالحكايات عن السحالي والذئاب والنذور والأولياء وسرية الصحراء ، وأبدية النهر المنساب والمنحدر نحو المجهول . والقصة الوحيدة التي تخرج عن جو هذه المجموعة هي قصة « الجامع » التي أشرنا إليها وهي تدور في مكان ما من فلسطين ، وتحكي عن جامع يريد الصهاينة نسفه من أجل استخراج الآثار الموجودة تحته ، وإصرار بعض سكان القرية على الاعتصام بالجامع حتّى ينسفوا معه دون أن يخرجوا ويسلموه ببساطة للمحتلين . في هذه المجموعة ، يبدو القاص بارعا وقديرا في فن القص ، ففي قصة « الأنفاس » نقف أمام حالة إنسان جاء يحمل نبأ استشهاد صديق له إلى أسرته ، أمه ، وزوجته وطفله الذي ولد في غيابه ، ولكنه لم يستطع أن يبوح بما في صدره ، وأهمّ ما حقّقه الكاتب في هذه القصة هو حركة شخوصها وانفعالات وهواجس الإنسان القادم بالخبر ، والإفصاح عن خصوصية البيئة بالدرجة الأساس . وفي قصة « تلك الشجرة المباركة » يقدّم لنا الكاتب حزن طفل على شجرة كبيرة تقع في باحة الدار ويريد والداه اقتلاعها ، وعلى الرغم من بساطة الحدث إلّا أنّ الكاتب أغناه وملأه بالمكان والمناخ بحيث جعله كبيرا ومهما . ويلاحظ أنّ الكاتب حمد صالح ، في كل قصص مجموعة « الملاذات » يعتمد على الجملة الطويلة ، وعلى الوصف المسهب ، ولعل هذا الأمر جزء من أسلوبه الذي ينقذه ابتعاده عن خلق أية حالة من الملل في داخل القارئ ، ففي قصة « سفر العودة » يحقق الكاتب هذا الوصف الذي يكمل حركة الحياة في كوخ بسيط ، تقطنه أم وكنّة تنتظران الابن الغائب ، وينفذ الكاتب إلى دقائق شخوصه البسطاء ، هؤلاء الذين نراهم ممتلئين رغم وجودهم في هذا المنفى حيث لا يشدهم شيء إلى العالم الكبير الذي يتواجدون فيه ، وليس بعد القرية إلّا الصحراء والغياب الغامض والمخيف : ويميل حمد صالح إلى فرش ظلال من الغموض والسرية في عالم قصصه ، ولعل هذا متأت من تشبعه بمثيولوجيا القرية التي تستند غالبا إلى طقوس غيبية ، لا أحد يستطيع أن يفك ما خبأته أو يستوعبه ، وقصة « وجهان من الغربة » تجسد هذا ، فالمرأة التي تفر مع الفجر متحدية عرف القرية ، تصبح كالجنية في الأساطير ، وعندما ينهشها الكلب